محمد متولي الشعراوي
1771
تفسير الشعراوى
وهنا ملحظ عام ، وملحظ خاص ، الملحظ العام : أننا نفهم أن المقصود بذلك السير على الأرض ، وتلك هي حدود رؤيتنا ، لكن حين يتكلم اللّه فرؤية اللّه أشمل فهو الخالق لهذا الكون ، ونحن ما زلنا نجهل جزئيات في هذا الكون ، ولم نعرف بعضها إلا أخيرا ، وخالق الكون هو الذي يعلم كل الخبايا . نحن نقول : إننا نسير على الأرض ؛ لأننا كنا نفهم أن هذه الأرض ليس عليها إلّا نحن فقط ، ثم تبين لنا - بعد أن أخذ العلم حظه - أنه لولا وجود الهواء في الأرض لما صلحت للحياة . ولذلك فعندما تدور الأرض . فالهواء الذي حولها يدور معها ويسمونه الغلاف الجوى . إذن فالغلاف الجوى جزء من الأرض وله امتداد كبير ، فالإنسان عندما يسير فإنه يسير في الأرض ، أما الذي يسير على الأرض فهو الذي يسير فوق الغلاف الجوى ، أما السائر على اليابسة ، والغلاف الجوى ما زال فوقه فهو يسير في الأرض لا على الأرض . وما دامت المسألة هي سنن تقدمت ، ويريد اللّه منا أن نعتبر بالسنن المتقدمة ، لذلك يقول لنا : « فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ » نسير بماذا ؟ . إما أن نسير بالانتقال ، أو نسير بالأفكار ؛ لأن الإنسان قد لا يملك القدرة على السير ويترك هذه المهمة للرحالة ، والرحالة - مثلا - هم الذين ذهبوا إلى جنوب الجزيرة ، ورأوا وادى الأحقاف ووجدوا أن عاصفة رمل واحدة تطمر قافلة بتمامها . إذن ففيه عواصف وارت الكثير من الأشياء ، فعاصفة واحدة تطمر قافلة . فكم من العواصف قد هبت على مرّ هذه القرون ؟ والحق سبحانه يخبرنا بإرم ذات العماد فيقول : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ( 6 ) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ( 7 ) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ( 8 ) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ ( 9 ) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ ( 10 ) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ( 11 ) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ ( 12 ) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ( 13 ) ( سورة الفجر )